صورة المقال

قاعدة الـ 1% : لماذا يحصل قلة من الناس على مجمل المكاسب ؟



بقلم: جيمس كلير.
ترجمة: ابراهيم عبدالله العلو.


كان فيلفريدو باريتو يتمشى في حديقته في وقت ما أواخر القرن التاسع عشر-لا أحد يعرف متى بالضبط -وأكتشف اكتشافاً مهماً رغم بساطته.

لاحظ باريتو ان معظم البازلاء في الحديقة نتجت من عدد قليل من القرون.

كان باريتو رجل رياضيات. عمل كاقتصادي وكانت إحدى مآثره الباقية تحويله الاقتصاد إلى علم متجذر بأرقام وحقائق وحفلت ابحاثه وكتبه بالمعادلات الرياضية بعكس اقتصادي ذلك الزمان.

دفعت البازلاء دماغه الرياضي للعمل. ماذا يحدث لو كان هذا التوزع غير المتساوي حاضراً في مناحي أخرى من مناحي الحياة أيضاً؟

مبدأ باريتو  The Pareto Principle 

كان باريتو يدرس في ذلك الوقت غنى الأمم وبدأ – لكونه ايطالياً –بتحليل توزع الثروة في ايطاليا. تبين له ان 20% من الايطاليين يملكون 80% من الأراضي. وبشكل يماثل بازلاء حديقته يتحكم قلة من اللاعبين بمعظم الموارد.

تابع باريتو تحليلاته لدول أخرى وبدأ نمط معين بالظهور.
لاحظ، على سبيل المثال، بعد دراسة سجلات ضرائب الدخل البريطانية ان ما يقرب من 30% من السكان في بريطانيا العظمى يكسبون 70% من الدخل الكلي.

اكتشف باريتو اثناء متابعته لأبحاثه ان الارقام لم تكن ذاتها دائماً ولكن التوجه كان متناسقاً إلى حد ملحوظ. بدا ان معظم المكاسب تعود لنسبة قليلة من الأفراد. وأصبح المفهوم الذي يقول ان عدداً قليلاً من الاشياء يتسبب بمعظم النتائج معروفاً بمبدأ باريتو أو بشكل أكثر شيوعاً قاعدة 20/80.

اللامساواة في كل مكان Inequality, Everywhere 

أصبحت اعمال باريتو في العقود التي تلت انجيلاً للاقتصاد. ومنذ ان فتح أعين الناس على هذه الفكرة بدأوا برؤيتها في كل مكان حيث تنتشر قاعدة 20/80 اليوم أكثر من أي وقت مضى.

مثلاً ربح 20% من النوادي المشاركة في الجمعية الأمريكية لكرة السلة خلال موسم 2015-2016 75.3 % من البطولات. علاوة على ذلك كسب فريقان فقط – بوسطن سيلتيكس ولوس انجلوس ليكرز – نصف البطولات تقريباً طوال تاريخ الجمعية الأمريكية لكرة السلة.

تنحو الأرقام منحىً أكثر تطرفاً في كرة القدم. تنافست 77 دولة مختلفة في بطولة كأس العالم وفازت ثلاث دول فحسب، البرازيل وألمانيا وايطاليا، بـ 13 بطولة من أول 20 بطولة في منافسات كأس العالم.

تتواجد أمثلة على مبدأ باريتو في كل شيء من تجارة العقارات إلى عدم المساواة في الدخل وحتى شركات التقانة الناشئة.

امتلك 3% من سكان جواتيمالا في الخمسينات من القرن الماضي 70% من الأرض. وفي عام 2013 تحكم 8.4 من سكان العالم بـ 83.3 من ثرواته. وتلقى محرك بحث وحيد – جوجل- في عام 2015 64% من طلبات البحث.

لماذا يحدث كل ذلك؟ ولماذا يستمتع قلة من الناس أو الفرق أو المنظمات بجل المكاسب في الحياة؟
حتى نجيب على هذا السؤال دعنا ننظر إلى مثال آخر من الطبيعة.

قوة الميزة التراكمية The Power of Accumulative Advantage

تعتبر غابات الامازون واحدة من أكثر الأنظمة البيئية تنوعاً على سطح الأرض. صنف العلماء أكثر من 16000 نوع من الأشجار هناك. ولكن رغم هذا المستوى الملحوظ من التنوع يشكل 227 نوعاً شجرياً مسيطراً نصف الغابة المطيرة. وشكل 1.4%من أنواع الأشجار 50% من كل الأشجار الموجودة في حوض الأمازون.

ولكن لماذا؟
تخيل نباتين ينموان جنباً إلى جنب. سيتنافسان كل يوم على ضوء الشمس والتربة. إذا تمكن أحدهما من النمو أسرع من الآخر ولو قليلاً عندئذ سيستطيل أكثر وبالتالي سينال حصة أكبر من ضوء الشمس والمطر. تمكن الطاقة الإضافية في اليوم التالي النبات من النمو أكثر فأكثر ويستمر هذا النمط حتى يحشر النبات الأقوى بقية النباتات ويأخذ حصة الأسد من أشعة الشمس والأرض والعناصر الغذائية.

يكون لدى النبات الفائز، من هذا الموقع المتميز، مقدرة أفضل على نشر البذور والتكاثر مما يعطي النبات بصمة أكبر في الجيل التالي.

تتكرر هذه العملية مرة تلو أخرى حتى تتمكن النباتات التي هي أفضل قليلاً من منافساتها من السيطرة على الغابة بأكملها.

يسمي العلماء هذا الأثر الأفضلية أو الميزة التراكمية accumulative advantage. فما بدأ كأفضلية بسيطة كبر مع مرور الزمن. يحتاج نبات ما إلى دفعة ضئيلة في البداية ليطرد المنافسة ويسيطر على الغابة برمتها.

ينال الكاسب كل الثمار Winner-Take-All Effects

يحدث شيء مماثل في حياتنا. يتنافس البشر كالنباتات في الغابة على الموارد ذاتها. إذ يتنافس الساسة على أصوات الناخبين والكتاب على ذات الترتيب في قائمة الكتب الأكثر مبيعاً والرياضين على نفس الميدالية الذهبية والشركات على العميل المحتمل والعروض التلفزيونية على ذات التوقيت الذي يشد انتباهك.

قد يكون الفارق بين كل هذه الخيارات رقيقاً كالشفرة ولكن الرابح يتمتع بمكاسب جمة هائلة الحجم. قد تسعى 10 شركات نحو عميل محتمل ولكن واحدة منها تفوز بالمشروع. يجب ان تكون أفضل قليلاً من المنافسة لتحصل على كامل المكسب. قد تحاول التقدم إلى وظيفة جديدة ويتنافس 200 مرشح على المنصب نفسه ولكونك أفضل قليلاً من باقي المرشحين تنال ربح المركز بأكمله.

تعرف الحالات التي تؤدي فيها فوارق بسيطة في الأداء إلى مكاسب كبيرة الحجم بمقولة: ينال الكاسب كل الثمار.

تحدث عادة في الحالات التي تشتمل على مقارنة نسبية حيث يكون أدائك مقارنة بأداء من حولك هو العامل المحدد لنجاحك.

لا تنطبق هذه المقولة على كل شيء في الحياة ولكن سبل الحياة تتأثر بموارد محددة وأي قرار يستثمر مورد محدد مثل الوقت أو المال سيفضي بالطبع إلى حالة الرابح الذي ينال كل شيء. وفي حالات كتلك قد يؤدي كون الفرد أفضل قليلاً من منافسيه إلى مكاسب جمة لأن الرابح يأخذ كل شيء. أنت تفوز بنسبة 1% أو ثانية واحدة أو دولار واحد ولكنك تحوز على 100% من المكسب. فميزة أن تكون أفضل قليلاً لا تعني ربحاً قليلاً ولكن كل الربح. عادة ينال الكاسب كل شيء ولا يحصل البقية على شيء.

تؤدي حالة الفائز يأخذ كل شيء إلى الفائز يأخذ معظم الشيء Winner Take All leads to Winner Take Most

قد تؤدي حالة الفائز يأخذ كل شيء في المنافسات الفردية إلى الفائز يأخذ معظم الربح في لعبة الحياة الكبرى.

من نقطة التميز هذه – مع الميدالية الذهبية بيد أو السيولة الفائضة في البنك أو الكرسي في المكتب البيضاوي – يبدأ الرابحون عملية المزايا التراكمية والتي تسهل عليهم الفوز في المرة التالية. فالذي بدأ كهامش صغير بدأ يتحول إلى قاعدة 20/80. إذا كان أحد الطرقات أكثر راحة من الآخر تزداد أعداد المسافرين عبره وتبدأ الأعمال بالازدهار على جانبيه. ومع تزايد أعداد المنشآت يتشجع الأفراد على ارتياده ويحصل بالتالي على حصة أكبر من أعداد المسافرين. وبعدها بفترة وجيزة ننتهي بمقولة أن 20% من الطرق تحصل على 80% من الحركة. وإذا امتلكت إحدى الشركات تقانة أكثر ابتكاراً من غيرها فسيشترى أشخاصاً أكثر منتجاتها ومع اكتساب الشركة للمزيد من الأموال تتمكن من الاستثمار في تقانة إضافية ودفع رواتب أعلى وتوظيف أشخاصاً أكفئ. وعندما تحاول الشركات المنافسة اللحاق بها يكون لدى العملاء سبباً مقنعاً للبقاء مع العميل الأول وعندها تسيطر شركة وحيدة على القطاع.

عندما يصل مؤلف ما إلى قائمة الكتب الأكثر مبيعاً يتنافس الناشرون على كتابه القادم. وعندما يطبع الكتاب التالي يخصص الناشر موارد أكثر وقوة تسويق أكبر للكتاب مما يؤهله للائحة الكتب الأكثر للمرة الثانية. عندها تدرك سبب بيع قلة من الكتب لملايين النسخ بينما تجاهد الأغلبية لبيع عدة آلاف من النسخ.

والفرق بين الحسن والأحسن أضيق من الظاهر. وما يبدو كحافة بسيطة تتجاوز المنافس يتعاظم مع كل منافسة جديدة. ويعزز ربح منافسة وحيدة احتمالات ربح المنافسات القادمة. وتدعم كل مرحلة إضافية مركز أولئك المتربعين على القمة.

ومع مرور الزمن يحوز الأفضل قليلاً معظم الجوائز وينتهي المطاف بالأسوأ قليلاً إلى لا شيء أو نسبة العدم. يعرف هذا المفهوم بتأثير متي والذي ينسب إلى فقرة في الانجيل تقول:" يحصل المالكون على عطايا أكثر وينعمون بالوفرة ويخسر المعدمون حتى القليل الذي عندهم".

دعوني أعود الآن إلى التساؤل الذي طرحته في بداية هذا المقال: لماذا يحصل قلة من الأفراد أو الفرق أو المؤسسات على مجمل المكاسب في الحياة؟

قاعدة الـ1 %. The 1 percent Rule

قد تؤدي فروقاً بسيطة في الاداء إلى توزع غير متكافئ عندما تتكرر مع تعاقب الأيام.

وهذا سبب مهم للعادات. فالأفراد والمؤسسات التي تتمكن من أداء المهام بشكل صحيح وبدقة متناسقة ستحافظ غالباً على تقدم طفيف وتراكم مكاسب غير متناسبة مع الزمن.

يجب عليك ان تكون أفضل قليلاً من منافسيك وإذا تمكنت من المحافظة على تفوق طفيف اليوم وغداً وبعد غد عندئذ يمكنك تكرار عملية الربح بزيادة القليل مرة تلو اخرى، والشكر موصول لقاعدة يأخذ الكاسب كل الثمار، حيث يحمل كل ربح في ثناياه مكاسب جمة.

تستطيع تسمية ذلك قاعدة الـ 1 %.
تقرر قاعدة الـ 1% ان معظم المكاسب سوف تتجمع في قطاع معين مع الزمن للأفراد أو الفرق أو المؤسسات التي تحافظ على أفضلية 1 % عن البدائل. فأنت لا تحتاج لأن تكون أفضل بمرتين كي تحصل على ضعف النتائج ولكن أفضل قليلاً.

لا تخص قاعدة الـ 1% مبدأ الفروق الصغيرة تتجمع في مزايا مهمة فحسب ولكنها تخص أيضاً أولئك الأفضل بنسبة 1% في حقولهم وصناعاتهم كل حسب اختصاصه. وبالتالي تكون عملية الأفضلية التراكمية هي المحرك الخفي الذي يدفع قاعدة 20/80.

المقال الأصليThe 1 percent Rule: Why a Few People Get Most of the Rewards.
By: James Clear